محمد الغزالي

73

خلق المسلم

إن القلب المقفر من الإخلاص ، لا ينبت قبولا ، كالحجر المكسو بالتراب لا يخرج زرعا . والقشور الخادعة ، لا تغني عن اللباب الرديء شيئا . ألا ما أنفس الإخلاص ، وأغزر بركته ، إنه يخالط القليل فينميه حتى يزن الجبال ، ويخلو منه الكثير فلا يزن عند اللّه هباءة . ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أخلص دينك يكفك العمل القليل » « 1 » . ويظهر أن تفاوت الأجور التي رصدت للحسنات ، من عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف ، إلى . . . يعود إلى سر الإخلاص الكامن في أطواء الصدور وهو ما لا يطّلع عليه إلا عالم الغيب والشهادة . فعلى قدر نقاء السريرة ، وسعة النفع تكتب الأضعاف . وليس ظاهر الإنسان ، ولا ظاهر الحياة الدنيا ، هو الذي يمنحه اللّه رضوانه ، فإن اللّه تبارك وتعالى يقبل على عباده المخبتين المخلصين ، ويتقبل منهم ما يتقربون به إليه . أما ما عدا ذلك من زخارف الدنيا وتكلفات البشر فلا قيمة له ولا اكتراث به . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه لا ينظر إلى أجسامكم ، ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » « 2 » . وفي الحديث : « إذا كان يوم القيامة جيء بالدنيا فيميز منها ما كان للّه ، وما كان لغير اللّه رمي به في نار جهنم » « 3 » . فمن ربط حياته بهذه الحقائق ، فقد استراح في معاشه ، وتأهب لمعاده ، فلا يضيره ما فقد ، ولا يحزنه ما قدم . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من فارق الدنيا على الإخلاص للّه وحده لا شريك له ، وأقام الصلاة وآتى الزكاة ؛ فارقها واللّه عنه راض » « 4 » .

--> ( 1 ) الحاكم . ( 2 ) مسلم . ( 3 ) البيهقي . ( 4 ) ابن ماجة .